شارع الشانزيليزيه من أشهر الشوارع عند زائري باريس، حيث يمكن لك أن ترى جموع غفيرة من السياح و الفرنسيين طوال الوقت تقريباً هناك، و خصوصاً من السياح الخليجيين حيث يمكن لك أن ترى هناك أصدقاء لم ترهم منذ سنوات مثلما حصل لي في زيارتي لباريس أوائل هذا الشهر. لكن ما حصل يوم 11 أكتوبر في شارع الشانزيليزيه كان مفاجئ جداً لي و تركني في حيره كبيره. فخلال وجودنا في أحد المطاعم هناك لتناول طعام العشاء و في أجواء جميلة و ممطره تفاجئت بأصوات إزعاج كبيره غير معتاده. خرجنا لنتعرف على ما يحصل و إذا بي أفاجأ بالسيارات شبه متوقفه في وسط الشارع و تجمعات كبيره لشباب يحملون علم الجزائر يهللون و يطبلون و الألعاب الناريه تنطلق من كل إتجاه. و كما توقعت، فلقد إنتهت مباراة منتخب الجزائر و راوندا بفوز جزائري كبير مما يعطي المنتخب الجزائري الشقيق فرصه أكبر للتأهل للنهائيات العالمية. بصراحة فوجئت لأنني شعرت و كأنني في كورنيش الخبر أشهد إحتفالية شبابنا بفوز كبير للمنتخب السعودي. الإحتفالية الجزائرية وسط الشانزيليزية إستمرت لأكثر من ساعة و هى الفترة التي كنا موجودين هناك.
قبل أن أكمل، يجب أن أنبه إلى إنني لست ضد المنتخب الجزائري الشقيق في مباراه القادمة أمام المنتخب المصري و التي تحولت بسبب تاريخ مباريات المنتخبين و الإعلام غير الواعي إلى معركة كبرى و ليس مجرد مباراة كرة قدم هامة. كما إنني لست ضد أن يحتفل إخواننا الجزائريون بفوز منتخبهم الوطني في أي مكان في العالم. لكن الذي رأيته جعلني أفكر كثيراً في علاقتنا بأوطاننا و كيف يمكن لنا أن نبتعد عنها و ربما ندفع الغالي و الثمين من أجل الخروج منها، و مع ذلك تظل هذه الأوطان في قلوبنا و يتحول مجرد إنتصار كروي إلى إحتفالية كبرى وسط شارع هام في بلد غريب.
أيضاً فكرت كثيراً في أسئلة الهجرة و العلاقة بالوطن الأم. بالتأكيد لا أدري إن كان الشباب المحتفلون حينها هم من المواطنين الجزائريين الذين يقيمون في فرنسا أم هم من أبناء المهاجرين الجزائريين الذين يحلمون الجنسية الفرنسية. لكن و لأنني أعلم أن رغبات و أحلام الهجرة تداعب أحلام شباب سعوديين كثر – و قد كنت أشاركهم ذات الحلم يوماً ما – فلقد فكرت كيف يمكن أن تكون علاقة الشاب المهاجر و من ثم أبناءه بالوطن الأم، خصوصاً حينما تكون الهجرة إلى دولة غربية تخلتف في قيمها و مفاهيمها عن الوطن الأم. كم هى التحديات التي يواجهها الشاب المهاجر من أجل الإبقاء على حبل الود و التعلق بذلك الوطن البعيد الذي تركه بحثاً عن فرصة أفضل أو وضع معيشي أفضل، و في نفس الوقت الرغبة بأن يجد موطئ قدم في المجتمع الجديد الذي إنتقل إليه و أن يتعايش بالمحيط المختلف الذي أصبح جزء منه بصورة أو أخرى.
لماذا يعيش البعض منا في ظل شعور بأن الوطن طارد و لكن حالما يترك وطنه يشعر بقوة إنتماءه و حبه لوطنه؟.
أعتقد أن مفهوم الوطن و الوطنية و خصوصاً في السعودية لازال ينشأ و يتطور و يستمر الحديث عنه إلى اليوم على الرغم من عمر هذا الوطن الذي قارب الثمانون عاماً. و مع هذا لا أرى تغيراً كبيراً في المسببات الرئيسية في غياب هذا المفهوم أو على الأقل حالة التشويش التي تعتريه.






