على مدى ثلاث حلقات قدمت قناة العربية فيلماً وثائقياً عن “هجرة الحضارم”*، تابعت الحلقات الثلاث متطلعاً بشغف لما يمكن أن يقال عن هذا الموضوع الكبير و القريب مني لأنني أعود إلى أصول حضرمية و أنتمي إلى الجيل الأول من أبناء مهاجر حضرمي إلى السعودية منذ ما يزيد عن الأربعين عاماً. خلال مشاهدتي للبرنامج مع زوجتي و إبنتي لم أتوقف عن التساؤل عن الهوية التي أنتمي إليها، فهل أنا سعودي أو حضرمي أو شئ مهجن بين الأثنين، بل إن الأهم هو كيف ستكون هوية جوري عندما تستوعب ما هى الهوية و إلى أصول تاريخية تعود؟.
أتذكر جيداً كلمات التهكم التي كنت أسمعها حينما كنت صغيراً عن الحضارم و بخلهم و “الحضرمي بياع عشاه”، كما إنني أسمع اليوم أحياناً مزاح زملاء العمل بخصوص أصولي الحضرمية التي تُخلط أحياناً بالحجازية على أساس كثرة العوائل الحضرمية التي عاشت في الحجاز منذ سنوات طويلة جداً. لا مناص من الأعتراف بأنني أشعر أحياناً بشئ من العنصرية السلبية تجاهي من قبل أخرين، فقط لأنني حضرمي الأصل .. أي متجنس، كما إن هذه التسمية توحي بالأتهام بغض النظر عن سبب و واقعية هذه التهمة.
في نفس الوقت يجب أن أعترف بأنني شخصياً أهتم في بعض الأحيان بالخلفية القبلية أو المناطقية للأخرين سواءً في مجال العمل أو غيره، حينما أريد أن أتساهل مع نفسي في هذا الخصوص فإنني أفسر هذا الأهتمام بأنه أمر طبيعي و لا يحمل أي خلفيات سلبية، و لكن في أحيان أخرى أجد تفسيراً “خفياً” أخر و هو أن هكذا أهتمام يعبر عن رغبة شخصية في تكوين موقف أو - على أقل تقدير - تكوين شعور مبدئي تجاه الشخص الأخر حتى قبل مقابلته بناءً على أصوله المناطقية أو القبلية.
من خلال تساؤلاتي الشخصية أريد أن أوسع التفكير إلى هذا الخليط الهائل من الجنسيات و الخلفيات و الجذور التاريخية و القبلية للسعوديين، فالواقع يقول إن السعودية أبعد ما تكون عن التشكل من نسيج إجتماعي واحد يالأضافة إلى حقيقة التعدد المذهبي و العقائدي الموجود بين السعوديين حسب مرجعياتهم التاريخية و الثقافية. هل يمكن لنا اليوم الحديث عن هوية وطنية سعودية جامعة؟ أما إننا لا زلنا نعيش في ظل أنتماء أقوى للهويات المحلية و المناطقية و القبلية.
أواصل التفكير بصوت عال لأقول إنني كنت كثيراً ألوم الحكومة (كعادتي!!) لضعف الأحساس بالهوية الوطنية، كما إنني كنت ألومها أيضاً بسبب طغيان تأثير التراث و العادات و حتى ملابس منطقة نجد على الصعيد الرسمي مما أنتج إنحسار لموروثات المناطق الأخرى و خصوصاً البعيدة عن المدن الرئيسية الكبرى. إلا إنني الان أشعر بأن أعتزاز العائلة الحاكمة بالتراث النجدي لم يصاحبه محاولات “رسمية” لمنع الأحتفاء بتراث و موروثات أي منطقة سعودية أخرى. بل العكس هو الصحيح، حيث نجد مهرجان الجنادرية السنوي شاملاً لكل المناطق السعودية، و في المهرجانات السعودية الثقافية الخارجية نجد فرقاً و أزياء شعبية من مختلف المناطق السعودية. و في نفس الوقت أجد أنه من الطبيعي أيضاً أن يتأثر عامة الناس بلبس و لهجة المنطقة التي تنتمي إليها العائلة الحاكمة، بل إنني لا أجد عيباً في أن يكون للهوية السعودية أرتباطاً أقوى بهوية منطقة نجد ليس لأسباب سلطوية بل من أجل تعزيز أحساس وطني واحد يشمل جميع المناطق و في نفس الوقت لا يمكن أغفال وجود أعتراف بوطنية موروثات و قيم باقي المناطق السعودية.
فقط أحب أن أشير إلى أمر أعتقد أنه محمود للمنتديات السعودية و يبرز بصورة أكبر على صعيد كثير من المدونات السعودية و هو ضعف تأثير الأنتماءات الأجتماعية مقابل قوة تأثير الأنتماءات الفكرية و الوطنية و هذا أمر أراه معزز للهوية الوطنية السعودية الجامعة.
ما سبق عبارة عن مجموعة أفكار تحتاج إلى كثير من الأضافات و التفكير كما تحتاج إلى أفكاركم و رؤيتكم بهذا الخصوص.
* يمكن مشاهدة أجزاء البرنامج على هذا الرابط هنا



