Posted by: أحمد باعبود | سبتمبر 24, 2008

العملاق الأخضر… كيف؟ (1)

العارف بحال المملكة العربية السعودية يستطيع أن يرى إمكانيات ضخمة جداً ليست محصورة فقط في الوفرة المادية المتزايدة في السنوات القليلة الماضية و المساحة الجغرافية الكبيرة و المتوفر من إحتياطيات النفط الضخمة بنعمة من الله الكريم ، بل أيضاً في حقائق أخرى متعلقة بالسعودية مثل نسبة الشباب العاليه بين المواطنين و وجود أعداد كبيرة من السعوديين من حاملي الشهادات العليا و العاملين ضمن قطاعات مختلفة و وجود أمثلة واقعية على نجاحات السعوديين في إدارة شركات كبرى مثل أرامكو السعودية و شركة سابك و غيرهما.

 

في ذكرى اليوم الوطني السعودي أجد أنني أرى هذا الوطن في المستقبل وطناً عملاقاً ذو قدره على التميز و الإستمرارية إذا توفرت الرغبة و القدرة على الإيفاء بمتطلبات التحديات الحالية و المستقبلية. لكن من المهم جداً على المستوى الشخصي و العام أن نتذكر أن وسائل الوصول للتغيير و الإصلاح ليست محصورة فقط بالنظام السياسي و الحكومة، بل إن دور الفرد جد كبير و خصوصاً في ظل غياب مفهوم المسؤولية الفردية لدينا (في العموم) حينما نتحدث عن الإصلاح و التغيير، فالجميع و بينهم كاتب هذه السطور يستطيع أن يتهم الحكومة بالرغبة في عدم تفعيل الإصلاح المنشود و يمكن أن ينتقد الفتاوى الدينية المتطرفة و أن يعدد مشاكل السعودية، لكن أقصر في تحمل مسؤولياتي المباشرة حينما يتعلق الأمر بتطبيق القوانين أو القيام بمسؤولياتي التربوية و العائلية بالصورة الأفضل.

 

فما المانع حينما أتحدث عن الإصلاح السياسي و محاربة الفساد المالي، أن أقوم بما أستطيع القيام به في سبيل تطبيق القيم التي أدعو إليها، فعلى سبيل المثال يجب أن ألتزم بالأنطمة و القوانين الحكومية و أن لا أنتظر مراقبةً من أحد أو تصحيحاً من مسؤول. فعلى سبيل المثال حينما ننظر إلى حال قائدي السيارات في السعودية نجد في العموم بعداً شديداً عن الإلتزام بالأنظمة و حتى بالأخلاق، بينما أعتقد أن من يملك المسؤولية الفردية الحقة يجب أن يلتزم بهذه الأنطمة حتى و إن خالفها الأخرون لأن أفعال الأنسان يجب ان تنطلق من نظام القيم الخاصة به و ليس من قيم الأخرين التي يراها على أرض الواقع. فكثير منا يعيشون حالة إضطراب و عراك بين قيمهم الذاتية التي يدعون إليها و بين أفعالهم التي يقومون بها على أرض الواقع. إستمرار حالة الإضطراب هذه لن تتوقف لأنها تنتقل من جيل إلى جيل و يتعلمها الصغير من الكبير. بالتأكيد إن تطبيق الأنطمة و القوانين و وجود العدالة و الشفافية تعطي الجميع دافعاً أكبر للتعايش مع القيم التي يفرضها النظام السياسي و الإجتماعي، و لكن الدافع في تلك الحال يكون التوافق الإجتماعي العام و ليس تحمل المسؤولية الفردية.

 

من السهل علينا أن نتكلم عن الحاجة إلى تعزيز مفاهيم الشفافية و العدالة في مؤسسات الدولة، لكن هل عشنا (أو حاولنا أن نعيش) بهذه القيم في حياتنا اليومية و مع أقرب و أهم الناس إلينا. و صعوبة الأمر أن أساليب التربية لدينا لا تسهم في تعزيز المسؤولية الفردية فالوالدان (و كاتب هذه السطور أحدهم) لا يتركان لأطفالهم حرية التجربة و النجاح و الفشل، بل يتدخلان و يحذران و يمنعان الأطفال خوفاً عليهم و تعبيراً عن حبهم الذي قد يضر الصغار و يمنعهم من إكتساب الخبرة الشخصية و القدرة على إتخاذ القرار. و الأمر يستمر إلى مراحل عمرية متقدمة، فالأبناء يحرصون كثيراً في العادة على الإستجابة لرغبات والديهم عندما يتعلق الأمر بالدراسة الجامعية بل و حتى حينما يتعلق الأمر بإختيار زوجة المستقبل. و مما يعزز ضعف المسؤولية الفردية الأستغلال الذي يحصل لبعض القيم الإسلامية الجميلة كطاعة الوالدين من أجل فرض السيطرة الإجتماعية على حياة الفرد، مما ينتج في النهاية أفراداً ضعيفي الكفاءة و غير قادرين على تحمل مسؤوليات قراراتهم.

 

لا يكفي أن أُنظر للتغيير على الصعيد السياسي من أجل الوطن، بل يجب على أن أتحمل مسؤولياتي الشخصية و أن أقوم بما يجب على القيام به من أجل أن أرى هذا الوطن عملاقاً أخضراَ في المستقبل القريب.

Advertisements

Responses

  1. بوركت ..
    كلام في صميم الصميم ..

    و كل وطن .. و أنت بخير 🙂

  2. أعجبني كلامك كثيراً يا أبا جوري ..

    هل ما نحتاجه تغيير أم إصلاح ؟
    التغيير قد يُلزمنا بتغيير نظمي كامل يشمل أصعدة عديدة منها السياسي و الاجتماعي ..

    أما الإصلاح فهي مراجعات و تصحيحات على المسار !

    لن أكون متشائماً كثيراً و أطالب بالتغيير .. لكن على الأقل نحتاج أن نتقبل النقد الذي يصحح من طرائقنا !

    شكراً أحمد ..

  3. بندر،
    الوطن واحد في بعض القلوب .. يا رب يأتي اليوم الذي يكون واحداً و لنا جميعاً في قلوب الجميع.

    محمد،
    نحن بحاجة للحركة!
    للأسف أشعر أننا نتحرك ببطء شديد بينما لدينا الأمكانية للحركة بصورة أسرع من أجل أن نلحق بجيراننا و ليس ببقية العالم!.

    كما قلت، لنفتح مجال القبول بالنقد و لنرى!.

  4. نعم المال يمكنه شراء “الأجهزة” و الثياب و الطعام و السيارات و الكهرباء و الماء و المستشفيات و الجامعات و التلفزيونات و الانترنت و الكتب … الخ

    لكن الحاصل أن “المادة” لم و لن تبدّل “النفوس” و “العقول”. و المادة بكل صورها هي فقط عبارة عن ظواهر بالية لكن البواطن هي الباقية.

    هذه هي المشكلة كما أشرت إليها…

  5. ممممم … كلامك صحيح جدا احمد ، كما ان على الحكومة الجزء الاكبر من المسؤولي في نفس الوقت يقع على عاتقنا كأفراد جزء من المسؤولية، لكن اعتقد ان المجتمع بحاجة لتوعية مكثفة.

    بالامس كنت استمع لمقطع صوتي ارسله لي احد الاصدقاء ، المقطع كان تسجيل مكالمة بين اب وابنه والمكالمة كانت تدور حول عتب عنيف من قبل الاب لإبنه لانه لم يصلي في المسجد ولم يراه “الجماعة” وهو يصلي بجانبه على الرغم من ان الابن صلى في مسجد آخر!! طبعا المكاملة تحتوي على قدر كبير من الشتائم …. يعني تربية كهذه الى اين ستصل بأبناءنا؟

    شكرا لك

  6. أن نبدأ بأنفسنا هو المطلوب..وأيضا أن نتوقف في اشعال اتون الغضب على الوطن…ننصح ..نتكلم ..نكتب..لكن أن يبقى حب ترابه نصب اعيننا..ذاك وطننا..لن نحب سواه..
    رائع ماكتبت كثيرا..شكرا لك

  7. محمد شهاب،

    للمحيط دوره في تغيير البواطن لكن المسؤولية الأولى على الفرد. نحتاج لمزيد من تحمل المسؤولية و الفعل الفردي حتى يصل المجتمع لمستوى أفضل.

    تميم،
    التوعية التي تحدثت عنها لا أعتقد أن أفضل وسيلة لها هى وسائل الأعلام بل البيت كما ذكرت أنت في إستطرادك، يجب أن يكون للشاب شخصيته التي تحترم و التي حتى في أوقات العتاب و الشدة أن لا تهان و أن يكون لكل فعل عواقب موازيه له.

    ماسة زيماس،
    لا شك لدي في أن كثير من المنتقدين لهذا الوطن هم من الأحرص عليه و كثر منهم هم ممن يعملون و ينتقدون و يردودن الأفضل. يجب أن نبدأ بأنفسنا لكن لا ننسى أن الله يغير بالسلطان ما لا يغيره بالقران!.

  8. […] العملاق الأخضر… كيف؟ (1) […]

  9. […] العملاق الأخضر… كيف؟ (1) […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: