Posted by: أحمد باعبود | مارس 23, 2011

في أزمات الزمن الثوري

يعيش العرب منذ حرق البوعزيزي التونسي لنفسه إنتقاماً لكرامته المجروحة أياماً ثورية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، و هى أيام لم يتوقع أحد تقريباً أن يراها أبناء هذا الجيل بعد سنوات طويلة من الصمت القاتل و الضربات المؤلمة في جسد هذه الأمة المتعبه. و مع الثورات العربية إرتفعت الروح المعنوية و الأمل في الغد، حلماً بأن تكون مقادير الأمة في يد أبنائها بعد أن عاث فيها المتسلطون لسنوات طويلة.

 

خلال هذه الأيام الثورية أشعر شخصياً بالزهو و الفخر بما حصل في تونس و مصر، متمنياً حفظ الدماء في ليبيا و اليمن و سوريا و نصر الثوار، و أحلم بأن يعود للبحرينيين أمنهم و أمانهم و أن يعطى كل ذي حق حقه. شخصياً أشعر أن ما حصل في ميدان التحرير سيكون ملهمي لسنوات طويلة و في عز أزماتي سيلوح لي إصرار المصريين على هدفهم الموحد و رغبتهم في التغيير و أملهم بأن يكون الغد أفضل، كما عكستها شعاراتهم في الميدان و تفانيهم في الدفاع عن بعضهم و في سلمية المطالب رغم كل الضغوط و ألاعيب النظام.

 

و مع هذا أجدني دائماً متنبهاً لكل العيوب و النواقص التي تشوب هذه الأيام الثورية، ليس رغبةً في محوها أو نفيها، بل لأنني أخشى أن تتحول هذه الأيام الثورية العظيمة إلى حالة تدعي لنفسها الكمال و ترفض التطوير و تستلهم ممن إنقلبت عليهم الجماهير أسواء عيوبهم. ففي أيامنا الثورية المجيدة هذه ظهرت دعوات كثيرة للإنتقام و التشفي ممن وقفوا مع الأنظمة المستبدة سواءً في مصر أو تونس و التعامل معهم كشئ واحد معادي للثورة، و هو أمر غير سليم و غير منطقي. بالتأكيد وقف مع مبارك في مصر كثير من المنتفعين و لكن أيضاً وقف في وجه الثورة أشخاص يخشون نتائج التغيير و يعتقدون بأمانة أن الأمور يمكن لها أن تتحسن من خلال النظام ذاته. و ليس من العدل في شئ أن يعامل الجميع على ذات المنوال، بل إن في ذلك إعادة لنفس أخطاء الأنطمة المستبدة التي تثور عليه الشعوب اليوم، من خلال تشوية صورة المُختَلف معه و تحويله إلى عدو. ليحاسب من أجرم تجاه الشعب و من قصر في أداء عمله، و لكن لنترك للجميع كامل الحرية في التعبير عن أرائهم بغض النظر عن مدى إتفاقنا معهم.

 

في الحالة المصرية التي تابعتها بكثافة كان رائع جداً مدى التوحد الشعبي تجاه المطالب التي أدت في النهاية إلى تنازل مبارك امام مطالب الشعب. لم يتوقف الأمر على ذلك بل إننا رأينا روحاً وطنية في مصر تدفع نحو النظام و الجمال و العمل المخلص من أجل الوطن، و لكن ما الذي يحصل اليوم؟ بدأت الخلافات بين مختلف تيارات الشعب المصري بالظهور، بل إن أخطر هذه الخلافات و هى الخلافات الطائفية بين المسلمين و الأقباط ظهرت بصورة سريعة للعيان من خلال أعمال عنف متبادل و هدم لكنيسة اطفيح. كيف يمكن للأمور أن تنتقل بهذه السرعة من حالة الرومانسية الوطنية العارمة لتعود الأمور إلى سابق عهدها؟. أعتقد أن ما يحصل اليوم هو أمر طبيعي، و لنتذكر أن الثورة جمعت الشعب نحو هدف واحد و بزوال هذا الهدف بدأ كثيرون بالعودة لطبيعتهم السابقة، فالثورة المصرية أزالت حسني مبارك من كرسي الحكم و لكنها لم تغير أخلاق الناس و قيمهم و إهتماماتهم بالكلية، و إن كان لها تأثير فقد يكون إلى زوال ما لم يحافظ النسيج الإجتماعي المصري على أهم أثار الثورة على عامة الناس. 

 

كان لوسائل الإعلام الإجتماعي كتويتر و فيس بوك دور من خلال جميع الثورات العربية الحالية، و لكنني أجد خلافاً بين من يرى عظم هذا الدور و محوريته و بين من ينكر أي دور لهذه الوسائل و هم قلة كما أعتقد. في رأيي الشخصي أن الفرق الذي صنعته هذه الوسائل هو في إستحالة – تقريباً – إخفاء ما يجري في مكان ما بغض النظر عن جميع المحاولات. فما يخفى اليوم يمكن له أن ينشر على صفحات الإنترنت في الغد، و بالتالي أصبحت الحكومات عاجزة عن مواجهة نقطة قوة كانت تملكها من قبل و هى وصول المعلومة للجميع. السؤال الذي سيستمر دائماً هو “هل كانت الثورات العربية ممكنة من دون وجود تويتر و فيس بوك؟”، و رأيي الشخصي هو لا، وجود تويتر و فيس بوك كان إحدى ركائز وجود و إستمرارية هذه الثورات.

 

من أكثر ما يرعبني عندما أفكر في مصير الثورات العربية اليوم حالة التفاؤل الغير محدودة التي تظهر على البعض، و كأن هذه الثورات ستصنع المعجزات و تحيل الدول المنهارة إقتصادياً و إجتماعياً إلى جنة الله في الأرض. لا يمكن لأي ثورة مهما كانت عظيمة في أن تحول دولة فاشلة إلى دولة ناجحة. هذه الثورات هى بداية الطريق فقط، و النهاية طويلة و بعيدة و الوصول إليها متعب و قد لا نصل. فبين الواقع و الحلم الرومانسي بالوطن̸ الجنة مسافات تحتاج إلى ليس فقط تغيير رأس الحكم في دولة ما، بل تغير في القيم و السلوك أعمق و أصعب بكثير مما يمر به الليبيون اليوم في مواجهة نظام مجرم و دموي كنظام القذافي.

 

لا يمكن لي أن أنهي هذه التدوينة من غير التعريج على الوضع السعودي و الذي يبدوا أنه يتجه نحو السكون نتيجة لما قدمته الحكومة من مشاريع مالية ضخمة لتحسين البنية التحتية  و مواجهة الفساد و توفير وظائف و رواتب للعاطلين بالإضافة لبرامج لمواجهة مشكلة السكن للمواطنين. قد يظهر للمتابع أن الأوامر الملكية الأخيرة و حشد القوى الأمنية و الدينية ضد ليس فقط المظاهرات بل كل الأصوات المطالبة بالإصلاح كفيلة بخنق أي صوت إصلاحي في السعودية. شخصياً أراهن على نجاح هذا المنهج  على المدى المتوسط على الأقل (في حدود خمس سنوات) في حالة قيام الحكومة بتنفيذ كل وعودها بحذافيرها، و في نفس الوقت ستظل هناك أصوات سعودية مؤمنة تماماً بأنه لا مناص عن الإصلاح السياسي ليس كهدف بحد ذاته بل كضمانة حقيقية من أجل إستمرارية الوطن و مواجهة الفساد و تحسين مستوى عمل الأجهزة الحكومية. هذه الأصوات الإصلاحية ستظل تكسب مزيد من التوسع على الرغم من كل الحرب التي تواجهها لأنها في غالبها لا تبحث عن مصالح شخصية و لأن الوعي السياسي و الحقوقي لدى السعوديين سيتصاعد نظراً لما نشهده حولنا اليوم و لشيوع المعلومة التي توفرها وسائل الإعلام الإجتماعي.

 

بين حال يأس كنت أراه لا ينتهي و حال ثورة أراها تشتعل في أنحاء الوطن العربي أعيش أياماً لا تنسى، متمنياً أن أستفيد منها في ذاتي و في حياتي و أن تكون هذه الأيام بداية خير و سعادة لأبناء هذه الأمة التي لازالت كما يبدوا لي في بدايات الطريق نحو العودة إلى نفسها و قيمها.

Advertisements

Responses

  1. انت عايز تئوول حاقه ؟

  2. […] المصدر الوسوم: 23 مارس 2011, تونس, ثورة, مصر […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: