Posted by: أحمد باعبود | يونيو 19, 2011

مع الجدران

كتبت هذه التدوينة في القطار المنطلق من العاصمة الألمانية برلين إلى العاصمة السابقة بون من أجل حضور فعاليات منتدى الإعلام العالمي الذي تنظمه مؤسسة دويتشه فيلا. قضيت خمسة أيام في برلين مرت سريعة بسبب ضغط المحاضرات التي حضرتها و اللقاءات التي تمت مع بعض الرسميين الألمان و التي سأكتب عنها إن شاء الله في الأيام القادمة إن شاء الله.

في برلين و بعد المشاعر الجياشه التي شعرت بها عند زيارة لبوابة براندنبوغ عادت لي مشاعر مشابهه بعد زيارة بعض الأجزاء المتبقيه من جدار برلين الشهير، و على الرغم من التغير الذي طرأ على الجدار بسبب الرسوم الإحتفائيه بعودة الحرية لسكان برلين الشرقية و توحد المدينة و التي عبر عنها فنانون من مختلف أنحاء العالم برسومات تعبيرية مختلفة إلا إن التفكر بعمق حصل فيما كان يعنيه خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي و الغربي و ما كان يعنيه تحديداً لسكان برلين الذين وجدوا مدينتهم فجأة مقسمة إلى مدينتين و ما خلفه ذلك من أثار مباشرة على بعض السكان بسبب قرارات ساسة كان من الواضح أن حياة البشر لا تعني لها لهم الكثير. أيضاً هذا الجدار المادي الذي إستمر لمدة 28 عاماً قبل أن يسقط على يد الضغوط الإقتصادية و الإجتماعية في ألمانيا الشرقية تحديداً و المعسكر الشرقي عموماً لا يختلف كثيراً عن الجدران المعنوية التي بنيت داخل مجتمعنا تجاه كثير من الأمور و الأفكار. فمهما علا جدار ما و أعتقد أصحابه أنه عميق و له جذور لا يمكن خلعها إلا أن الطبيعة البشرية في حالات كثيرة كما رأينا في مصر و تونس على سبيل المثال و في برلين أيضاً لا يمكن لها أن ترضى بهذه الجدران العازلة التي يبتغي صانعوها منع الناس من التفكير و العيش بحرية و أن يقعوا تحت سيطرة المؤسسات الحكومية التي تعتقد أنها تعرف الأفضل لهم و كأنهم قاصرون أو عاجزون. فحرى بالمجتمعات و السياسيين أيضاً أن يفتحوا قلوبهم و عقولهم للحوار و النقاش من أجل فهم أعمق لما يدور حولنا و لإيجاد حلول واقعية ذات قيمة، لإن الجدران الشاهقة لا يمكن لها أن تدوم لأبد الأبدين.

من المؤسف أيضاً أن نخلق في داخل مجتمعاتنا جدارن عازلة بين أبناءه و المقيمين فيه، فكم منا يملك صديق من طائفة مختلفة بل ربما أن البعض لا يوجد له أصدقاء من أبناء مناطق مختلفة أو أنه على أقل تقدير يشعر بشئ من التميز على أبناء مناطق مختلفة من أبناء ذات الوطن. أجد نفس هذه الجدران أيضاً توجد في بعض الأحيان مع المقيمين في السعودية، فلدينا من يعتقد أن هؤلاء المقيمين هم أقل منا أو أنهم في لحظة ما مناسبة سيقومون بالإنقضاض علينا و الفتك بنا لأننا نعيش في نعمة و بحبوحة من العيش. أعتقد شخصياً أن أول خطوة في كسر مثل هذه الجدران تأتي عندما يعيش كل فرد منا حقيقة أننا جميعاً بشر متساوون و أن من قد يملك ميزة ما هو في ذات الوقت لا يخلوا من شئ من العيوب. ثانياً تأتي أهمية فكرة المواطنة و المساواة الكاملة أمام النظام و القانون لجميع المنتمين لهذا البلد، و هى أمر إن لم يتحقق فسنظل جميعاً نعاني من تباعات التفاضل الفارغ الذي يعيشه البعض. في نفس الوقت لا يمكن أن أدعي أن فكرة المواطنة ستحيلنا إلى مجتمع ملائكي و لكنها ستضغط نحو التقليل من مساحات الحساسية التي تجعل البعض يتخيل أنه أفضل عن سواه فقط لأنه ينتمي إلى منطقة ما أو قبيلة ما.

أما الجدران العازلة بيننا و بين الأخر فهى مصنوعه من الطرفين و بقدر ما كنت فعلاً أعتقد أننا نحن العرب و المسلمون عموماً نعاني من درجة عالية من الحساسية تجاه أي فعل أو رأي يمس ما يمثل لنا قيمة عاليه، إلا أنني و كما حصل لي من خلال رحلات سابقة و أيضاً خلال هذه الرحلة قد رأيت بأم عيني كيف أن الأخر (و هنا أتحدث عن الأخر الغربي بكل ما قد يحمله كلامي من تعميم جائر أو مضلل) يعيش في قوقعته الخاصه بسبب تقدمه الحضارة و سيطرته على العالم عموماً بحيث يفشل كثيراً في إبداء و لو شئ من التفهم لهذه الحساسيات الشرقية، بل و يصر البعض منهم على أن يدعي أفضلية النموذج الغربي بكل حذافيره و أن أي شئ يختلف عن ذلك النموذج يندرج تحت بند اللاحضارة و التخلف. و أي حوار أو تفاهم يمكن أن يتم حينما يؤمن الإنسان تماماً بأن نموذجه الخاص بكل تفاصيله هو الكمال التام الذي ينبغى على البشرية أن تطبقه كما هو.

و عند التطرق للجدران لا يمكن لي أن أنسى الإشارة إلى الجدار العنصري الفاصل الذي بنته إسرائيل عبر الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية و غزة و مدينة القدس بدعوى حماية إسرائيل بغض النظر عن التأثير السلبي الكبير لهذا الجدار على الحياة اليومية للفلسطينيين و على الرغم أيضاً من حكم محكمة العدل الدولية الذي أكد لا شرعية هذا الجدار، و مع هذا و كعادة إسرائيل تستمر أعمالها الإجرامية و اللاإنسانية من دون عواقب ملموسة على أرض الواقع في دليل أخر على أن الجدران الفاصلة مع الأخر لازالت شاهقة و تعاني كثيراً بسبب المعايير الثنائية غير العادلة من قبل الطرفين.

لازال في جعبتي الكثير عن هذه الرحلة الألمانية، و أعتقد أن الأيام القادمة في بون ستكون زاخرة بالأفكار و النقاشات التي تستحق التسجيل و النقاش.


Advertisements

Responses

  1. مستمتع بقراءة تدويناتك عن هذه الرحلة , اتمنى ان ت

    اعتقد اني تقريبا اتفق معك تماما في كل ما ذكرت . بالمناسبة , ذكرتني ملاحظتك على تقوقع الغرب بنفس الملاحظة التي قرأتها في كتاب الأحمري ” ملامح المستقبل ” . اعتقد اني افهم ايضا ملاحظتك بخصوص انهم يعتقدون ان عمل الاشياء بغير طريقتهم يعتبر تخلف او لاحضارة , والمشكلة لعلها قد تذهب الى ابعد من الشرق وان كانت اقل حدة, فلقد رأيت بريطانيين يسفهون طريقة العمل الامريكية والعكس صحيح , والكل يعتقد انه هو الافضل والاخرين لايفقهون شيئا .

  2. محمد،
    شكراً على إعجابك و تعليقك 🙂
    أعتقد ما أشرت إليه من حساسية بين الغربيين أنفسهم هى أقرب للتنافس و تفضيل المنطقة التي ينتمي إليها الشخص من أن تكون ذات جوانب عنصرية بشكل أو أخر. أصبحت أحياناً أعتقد أن الحكم على الأخرين و تكوين موقف مسبق عنهم هو جزء من الطبيعة البشرية!. و لا حل لها سوا بالإتصال المباشر مع الأخر لعل و عسى جزء من هذه المشكلة يحل.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: