Posted by: أحمد باعبود | يوليو 3, 2011

إنني أحلم

قبل بداية ربيع الثورات العربية في تونس الخضراء و حتى اليوم و ربما لسنوات قادمة لازال هناك سؤال يطرحه البعض قائلين “هل نحن جاهزون للديمقراطية؟”، و المقصود بنحن هنا العرب عموماً. خلال منتدى الإعلام العالمي في برلين قابلت ثلاثة من العرب واثقون أننا – على الأقل حالياً – لسنا جاهزين للديمقراطية. الثلاثة كانوا المدون البحريني سهيل القصيبي و كويتي يعمل في السفارة الكويتية في برلين و باحث فلسطيني يحضر الدكتوراة في ألمانيا. خلال نقاش سريع مع الشخص الكويتي أكد أننا نحتاج من خمسون إلى مئة عام حتى نطبق الديمقراطية، بينما الباحث الفلسطيني كان أكثر حذراً حينما أكد أننا نحتاج من مئتين إلى ثلاث مئة عام!. كانوا جوابي عليهما واضح و محدد “إبنتي جوري تبلغ السادسة تقريباً، و أريد و أتوقع و أتمنى لها أن تشارك في إنتخابات برلمانية في السعودية قبل أن تكمل السادسة و العشرون من عمرها”. هل أحلم، طبعاً، و لكن ما هى الحياة من دون أحلام؟.

من ينظر للواقع في السعودية يجد أننا نعيش في دولة تملك موارد مالية ضخمة لها خطوات تنموية سمحت بتكون طبقة وسطى متعلمة بصورة معقولة و أدت إلى بناء أجزاء من البنية التحتية ، و لكن أيضاً هذا الواقع يصرخ بوضوح أننا نعيش في دولة تعاني من سيطرة أمنية و نسبة فساد مالي عالية و تضخم مالي يزداد سنوياً إضافة إلى شبح البطالة المخيف مع سوء الخدمات الحكومية في قطاعات مختلفة. الجانب الأخر من الصورة هنا هو واقع المجتمع الذي يحمل الكثير من الميزات و القيم الإيجابية التي لا يمكن إنكارها، و لكنه أيضاً يحمل الكثير من العيوب و التشوهات الواضحة مثل دور المرأة و العلاقة بها، و التفاخر بالأنساب و النظرة الدونية لبعض المهن و الأعمال بالإضافة إلى بروز العنصرية و الطائفية بصورة أكبر خلال السنوات الماضية سواءً في العلاقة بين المواطنين أو تجاه غيرهم. و بالتالي لا أعتقد أن هناك خلاف كبير بخصوص الحاجة للتغيير مع توافر إختلاف كبير جداً بين مختلف تيارات و أفراد السعوديين بخصوص ماهية هذا التغيير و كيفية الوصول إليه.

ما سبق محاولة شخصية لتكوين صورة حقيقية للوضع في السعودية، و لكن أيضاً هذا الواقع ذو علاقة وثيقة ببنية الدولة و المجتمع في نفس الوقت. فحينما تكون السلطة محصورة في يد قلة بينما الغالبية الكبرى من أبناء الوطن ليس لهم دور مؤثر في واقع و مستقبل البلد، بالإضافة إلى ضعف – أو إنعدام – مفاهيم المواطنة و مشاعر الإنتماء نجد أننا أمام واقع معقد و محمل بالكثير من المخاطر التي يمكن لها في لحظة ما أن تؤدي إلى تطورات لا يمكن توقع مداها أو تأثيرها. أيضاً نظرة المجتمع لنفسه و نوعية العلاقات داخله و علاقته بالدولة و منظومتها أيضاً تساعد في تشكل الصورة الحالية للسعودية و تزيد من صعوبات حصول التغيير أو شئ من التطوير، و لكنها في نفس الوقت تجعل من الصعب التنبؤ بما قد يحصل لو سار قطار التغيير بعيداً عن مسار مقنن و متفق عليه وطنياً.

أمام هذه الصورة السوداوية أو على الأقل القاتمه قد يجد البعض أن التفكير في الديمقراطية في دولة تحمل كل هذه التحديات و تعيش هذا الواقع هو ضرب من المحال. لكن الواقع المعاش في أطراف الأرض اليوم يؤكد أن الديمقراطية هى نظام الحكم الأنجع في العالم من خلال الفصل بين السلطات و مشاركة الشعب في إختيار ممثليه بحرية إنطلاقاً من دستور يثبت مفاهيم المساواة و المواطنة بين جميع أبناء الوطن. و بالتالي إما أن نكون نحن في السعودية ننتمي لفصيل البشر الذين يستخدمون الديمقراطية وسيلة للحكم، أو أننا فصيل أخر لا علاقة له بغالبية البشر على كوكب الأرض.

أيضاً أعتقد شخصياً أن السعي للديمقراطية في السعودية سيكون أحد الطرق الجدية من أجل مواجهة العيوب البنيوية في الدولة و المجتمع و مواجهة ما يجب تغييره و إصلاحه من خلال تفاعل أبناء الوطن مع مشاكله و العمل على مواجهتها و إيجاد حلول لها. فعلى سبيل المثال نجد أن الحديث عن المعتقلين لمدد طويلة من غير محاكمة هو حديث الساعة في قنوات الإعلام الجديد في السعودية، و هو ما يشي بأن مفاهيم مثل دولة المؤسسات و الحقوق بدأ في الإنتشار في صفوف الشباب و هم الفئة التي ستصنع المستقبل بنفسها و ستعمل على صنع التغيير الذي تريده على الرغم من التحديات الجمه التي يمكن أن تواجههم.

لكن الديمقراطية اليوم لي شخصياً ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة لنتيجة أرغب أن أراها، و لا يهمني كثيراً المدى الزمني لتحقيق هذه النتيجة، فقد نحتاج بضع سنوات لكي نبدأ على الطريق السليم نحو هذه النتيجة أو نأخذ فترة أطول بكثير. المهم في النهاية أن نصل إلى النتيجة المراد الوصول إليها، و هى دولة حديثة تضمن المشاركة الشعبية و المساواة بين جميع مواطنيها و في نفس الوقت قادرة إقتصادياً على مواجهة تحديات مستقبليه ضخمة. أيضاً ستكون الديمقراطية وسيلة لتفكيك جزء من العوائق و الموانع التي تم حقنها في جسد الدولة و المجتمع حتى وصلنا لوضعنا الحالي الذي نعيشه اليوم. فما نعيشه اليوم هو نتيجة لسنوات طويلة من الأخطاء و التي لن تزول بصورة تلقائية بل ستحتاج إلى عمل حقيقي يشارك فيه الجميع، أو على الأقل من يؤمن بالتغيير و مستعد لدفع الثمن من أجل الحصول عليه.

عند الحديث عن الديمقراطية يأتي الحديث عن علاقتها بالغرب و ما يعيشه الغرب من حريات قد يراها البعض منفلته عن عقال الأخلاق و القيم التي يجب أن يعيشها المجتمع السعودي. لذا لا أعتقد أيضاً أننا أحد ملزمون بالأخذ بالنموذج الغربي في الديمقراطية كما هو، بل إن كل مجتمع يجب أن يسعى للوصول لنموذجه الخاص في مختلف الأمور و ليس فقط في الأخذ بالديمقراطية كوسيلة للحكم. و بالتالي أعلم أن مجتمعنا يختلف كثيراً عن غيره من المجتمعات في أنحاء العالم، لذا قد تكون نتيجة السعي للوصول إلى الديمقراطية نموذج لا يشبه أي نموذج أخر، بل المهم أن نصل إلى نموذجنا الخاص الذي قد يشبه أو يختلف عن أي نموذج أخر في العالم. فالمهم ليس أن نصل لما وصل إليه غيرنا، بل المهم فعلاً أن نملك طريقنا الخاص بنا و الذي لا يجب أن نعيد من خلاله إنتاج العجلة من جديد كما يقال، و لكن نستفيد من تجاربنا الماضية و تجارب غيرنا حتى نصل إلى النتيجة النهائية التي نريدها لهذا الوطن.

لن أتطرق إلى البدائل المتوافرة أمام الواقع الحالي، لأنني مؤمن بصورة قطعية أن هذا البدائل في النهاية – حتى لو إحتاج الأمر إلى سنوات طويلة – إما ستؤدي إلى تبني صيغة مختلفة لبنية الدولة و المجتمع أو أنها ستؤدي إلى تفكك هذه البنية و المجتمع، كما ذكر الدكتور خالد الدخيل في مقالة الأخير في صحيفة الحياة و الذي حمل عنوان “أفق الملكية الدستورية و الأفق الجمهوري”. و لأنني من أنصار إستمرارية و ديمومة هذا الوطن فأرى أننا يجب أن نعمل عكل شئ ممكن من أجل الوصول إلى نتيجة إيجابية يستفيد منها جميع أبناء الوطن.

بالتأكيد أنني أحلم و سأظل كذلك، ليس لأنني رومانسي بل أعتقد أنني شخص واقعي جداً و لدرجة مزعجة في بعض الأحيان. و لكن لأنني أمام واقع قاتم و يبدوا مسدود لا أجد مساراً سوى الحلم لكي أحارب فيروسات الإكتئاب التي يمكن لها أن تهاجمني بين الفينة و الأخرى. و لأنني أؤمن فعلاً أن جزء من أي تغيير هو الحلم الذي يجمع مريدي التغيير كما رأينا خلال ثورة 25 يناير المصرية العظيمة. فخلال تلك الأيام الثمانية عشر كنت أعيش ما يشبه الحلم و حتى الأن أشعر أنني لم أستيقظ من ذلك الحلم بعد. مع علمي أن ثورة 25 يناير قد قطعت رأس الأفعى فقط و لازال أمامها طريق طويل حتى تتمكن من إنتزاع روح الأفعى من جسد مصر و المصريين.

لذا أقول إنني أحلم بالديمقراطية في السعودية، و ليس بعد 100 عام بل في فترة أقرب من ذلك بكثير. لأن من ينكر جاهزيتنا للديمقراطية اليوم لا يقدم سوى الواقع الذي نعيشه و الذي لا يرضيني أبداً و أنتقده بشده و أنقد نفسي كجزء منه. كما إن يجزم بعدم جاهزيتنا للديمقراطية لا يقدم أي حراك حقيقي على أرض الواقع و لا حتى في العالم الإفتراضي، بل ينتظر هطول الذهب من السماء و هو ما لا يحدث في هذه الحياة الدنيا.

قد لا نكون جاهزين أبداً للديقمراطية اليوم، و لكن السكوت و السكون لن يجعلنا جاهزين لها غداً. بل نشر الوعي و النقاش و تحفيز الجميع على تصور مستقبل أفضل هو جزء من الطريق للوصول لمستقبل أفضل لأطفالنا.

Advertisements

Responses

  1. ما شاء الله، طرح رائع كالعادة.
    ذكرت أن الشباب بدأ يعي قضايا الحقوق أكثر فأكثر لكني أرى أن تلك النهضة مقتصرة على فئة محدودة جدا ولعلنا في مرحلة صناعة النشطاء الذين سيحملون شمعة الوعي التي ستضيء البلاد والفضل في تأخرنا يعود إلى غياب المجتمع المدني والنشاط السياسي.
    لا أريد أن أوقضت من حلمك الجميل لكن ليكن ذلك دافعا لنا للاستمرار في حمل الرسالة وإيصالها إلى جمهور أوسع والمستقبل واعد بإذن الله.

  2. من،

    صحيح إن فكرة التغيير ضمن قطاع الشباب أو حتى عامة الشعب ليست منتشرة بصورة كبيرة، ولكن من يقول إن التغيير يحصل بسبب الأغلبية؟. أعتقد أن التغيير يحصل حينما تؤمن مجموعة صغيرة نسبياً بالحاجة للتغيير و تعمل ما في وسعها من أجل تنفيذ هدفها، و لنا في ثورة 25 يناير المصرية خير مثال، فمن خرج ضد النظام يستحيل أن يزيدوا عن 10% من أبناء مصر و مع ذلك إضطر مبارك للإستسلام لمطلب الثوار الأول خلال 18 يوماً فقط!.

    كما أتفق أيضاً مع طرحك بأن هذه المجموعات الصغيرة من الشباب هم من سيعلمون غيرهم من الشباب و يزيدون وعيهم. أنا مستيقظ دائماً من حلمي و مع هذا يجب أن أعيشه في ذات الوقت و إلا فستكون الحياة سوداوية بصورة لا تطاق! 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: