Posted by: أحمد باعبود | يناير 25, 2012

يوم للتاريخ .. يوم للأحلام

أتذكر ذلك اليوم جيداً، فلقد كنت لتوي عائداً من اليمن بعد رحلة إستمرت لثلاثة أيام فقط في زيارة هى الأولى بعد حوالي الثلاثون عاماً لموطن الأجداد و لقاء البقية القليلة الباقية من الأقارب. وصلت لجدة في اليوم التالي لكارثة جدة الثانية و لأنني كنت قلقاً مما حصل في جدة و إحتمالات التأخر على الرحلة المغادرة إلى الدمام في اليوم التالي قررت البقاء في شمال جدة في شارع صاري بدل الدخول لوسط جدة عند أخوتي هناك. أمضيت كامل اليوم متابعاً لقناة الجزيرة و لما يجري في أم الدنيا مصر ذلك البلد الذي أهواه.

تصاعدت الأحداث و عشت متابعاً للأخبار طوال ثمانية عشر يوماً أعتبرها من أجمل أيام حياتي. فعلى الرغم من عظمة ما حصل في تونس الخضراء التي هرب منها بن علي إلا إن إدراكي لأهمية مصر جعل ما يجري فيها خلال تلك الفترة أمراً خارجاً عن نطاق المعقول و تحدياً لكل النواميس التي نشأنا عليها. فلسنوات طويلة جداً أصبحنا شعوب تتلقى الأوامر و تعيش حسبما يريد صاحب الأمر، حتى و إن كنا نعلم أنه لص حقير أو جاهل تافه. ما جرى في مصر أعاد لروحي الثقة بأننا بشر و أننا يمكن أن نتحرك لنحقق لأنفسنا أبسط مبادئ الإنسانية التي رزقنا إياها رب الأرض و السماء و هى الحرية.

أكتب هذه الكلمات بعد عام كامل و أتذكر جيداً كثير من اللحظات الفارقه حينها، فبين أغاني ميدان التحرير و معركة الجمل التي قدمت من خرافات العقل الشعبي إلى دموع وائل غنيم و ذكريات نواف القديمي في الميدان، و إلى أكثر اللحظات الفارقه رسوخاً تلك التي أُعلن فيها عن تنحي الديكتاتور حسني مبارك. أتذكر قدراً كبيراً من التشكيك بين زملائي و أصدقائي في جدوى ما يحصل، بل لا زلت أذكر جيداً دفاع البعض منهم عن مبارك و تاريخه المزعوم متناسين كل ما فعله بمصر العظيمة و أبنائها خلال سنوات حكمة الطويلة. كان ميدان التحرير سياق مختلفاً خارج كل السياقات الإعتيادية التي كنت أنظر بها للعالم. كان لحظة سحرية إجتمعت فيه رغبة الأفراد نحو الحرية و نحو الحلم، نفس الحلم الذي كان مئات الملايين عبر العالم العربي يعيشون بدونه فهم مكتفون بأن يجعلوا إدارة بلدانهم و مستقبلهم لتلك القلة “إلي فوق” و هم يبحثون عن قوت يومهم و تأمين غدهم و كأن العالم لا يعني لهم شيئاً.

من أهم الأشياء التي أذكر نفسي بها من وحي ميدان التحرير و أيامه المجيدة هو قيمة الفرد و دوره. فمهما تكالبت عليك الظروف و داست عليك الحياة بقسوة فتذكر أنك إنسان كرمه الله منذ لحظة نفخ الروح في أبونا أدم عليه السلام و أن اللحظة التي تقبل فيها أن تكون أقل من إنسان هى اللحظة التي ستنتهي فيها حياتك الحقيقية على هذه الأرض. لذا فإن كل فرد مسؤول و ليس ولي الأمر هو المسؤول، و إن قصر أحد في أداء دوره كما يجب فإن دور الفرد و بعد ذلك الجماعة هو في العمل من أجل تصحيح الخطأ و الوقوف في وجهه بعيداً عن الخوف و إندفاعاً نحو الحلم الذي نريده لذواتنا و لمن نحب و لأوطاننا التي نعشق.

بعد عام كامل يظل السؤال يتردد عند الكثيرين “هل إنتصرت الثورة؟؟”، و الإجابة الواضحة هى أنها لم تنتصر، ليس فقط لأن ما جرى في مصر نتج عنه إزالة رأس الأفعى و بقاء أجزاء كبيرة من النظام في مواقع القوة و لكن لأن إنتصار الثورة الحقيقي و الكامل يتم فقط حينما تتحول مصر إلى دولة يحترم فيها الإنسان أولاً و يكون القانون هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع في ظل إقتصاد وطني قوي يقدم الفرص لجميع المصريين بمساواة تامة كمواطنين و شركاء في الوطن. الثورة لازالت مستمرة و رغم كل الضوضاء التي يحرص البعض على إبرازها و دعمها إلا إنني أملك كل الثقة في أبناء مصر الشرفاء الذين يعلمون أن المشوار طويل و أن التحديات القادمة قد تكون أعظم مما سبق التغلب عليه و مواجهته.

ما جرى في مصر عبر تلك الأيام الثمانية عشر و ما بعدها إلى يومنا هذا سيستمر كجذوة لا تنطفئ في روح كل حر على كوكب الأرض و نموذج يحتذى من أجل أن يحاول الإنسان أن يعيش كما يريد و كما يريد له الله. لا قيمة لإنسان مسلوب الإرادة ليس له من هذه الحياة سوا أن يبحث عما يسد به رمق حاجاته الأساسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: