Posted by: أحمد باعبود | فبراير 25, 2012

التمييز كله ظلم

علاقتي بالبحرين تمتد لحوالي خمسة عشر عاماً، فعلى الرغم من أنني درست في جامعة الملك فهد للبترول و المعادن إلا أنني لا أتذكر أنني زرت البحرين خلال سني دراستي الخمس، فمن جهه كانت إنشغالات الدراسة و الأصدقاء لا تسمح بمثل تلك الزيارات، إضافة إلى أن الصورة السلبية الموجودة في أذهان البعض عن الشباب الذي يذهب للبحرين كانت عائقاً أخر. في البداية كانت علاقتي بالبحرين مجرد زائر لأسواقها التجارية لمشاهدة الأفلام السينمائية و التسوق و من ثم العودة سريعاً للوطن، و خلال تلك الفترة لم تتح لي فرصة التعامل المباشرة مع البحرينيين إلا في حالات قليلة و بصورة عامة كان إنطباعي أن البحرينيين أناس لطفاء و حسني المعشر. في بدايات عام 2000م كانت فرصتي الأولى للإحتكاك بالبحرينيين من خلال مجموعة شبابية بيئية كان إسمها حينها أصدقاء البيئة الإلكترونيون و التي أصبحت بعدها بسنوات جمعية أصدقاء البيئة برئاسة الأخت خولة المهندي، و الذين تعرفت عليهم من خلال موقعهم الإلكتروني في بدايات نشاط المواقع و المنتديات الإلكترونية. خف نشاطي في الجمعية مع مرور الوقت و لكن إحتكاكي بأهل البحرين إستمر من خلال دراستي لدرجة الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة دي بول الأمريكية عبر برنامجها في البحرين، و التي إنتهيت منها في بداية عام 2007م.

خلال حوالي السبعة أعوام كانت لي علاقة زمالة و صداقة بمجموعات مختلفة عمرياً و إجتماعياً و فكرياً من البحرينيين، الشئ الأكيد الذي لم يختلف بين مجموعة و أخرى كان لطف هؤلاء الأشخاص و حسن أخلاقهم. في حالات قليلة جداً ظهرت لي بعض خطوط الإشكالات الطائفية في البحرين بين السنة و الشيعة. نظراً لندرة حصول تلك الحالات او ما صاحبها من تشنجات كنت أشعر أن الأمر هو شخصي أكثر من كونه شئ متجذر في أعماق الفئات التي حظيت بفرصة التعرف عليها.

بدأت أحداث الرابع عشر من فبراير العام الماضي لتعود البحرين من جديد لمرحلة كنت أتمنى و أتوقع أنها لن تعود. لكن الواقع فرض نفسه و الأمال التي عاشها بعض البحرينيين بعد تولي الملك حمد لشؤون الحكم بدا واضح أنها تبخرت و لم تستطع الدولة أن تنجز ما يقنع الناس أن الأمور تغيرت أو في طريقها للتغيير. لست في معرض تحليل الوضع البحريني لتعقيداتها و لأنني قبل ذلك لا أملك كل المعلومات و القدرات لفعل ذلك. لكن ما حصل لي قبل إسبوع تقريباً عندما مُنعت و عائلتي من الدخول للبحرين تحت عذر الإجراءات الأمنية هو ما دعاني لكتابة هذه التدوينة و التفكير من جديد في وجه من وجوه ما يحصل هنا و هناك و أماكن أخرى أيضاً.

في يوم الخميس الماضي فوجئت بمنعي من دخول البحرين عبر منفذ جسر الملك فهد، و مثلما قلت لموظف الجوازات البحرينية الشاب بأنها بلدكم و لا أملك أن أفرض عليكم السماح لي بدخولها، لكن عدم وجود تفسير واضح لمثل هذا الإجراء لم يجعل أمامي تفسيرات كثيرة سوا شك موظفي الجوازات البحرينية في كوني شيعي و خصوصاً حينما إقترح ذلك موظف الجوازات السعودية كسبب محتمل لمنعي من الدخول بعدما إستفسرت منه عن مسببات مثل هذا المنع في طريق عودتي للسعودية. لا أعلم كيف مر بخاطر الإخوة في الجوازات البحرينية ذلك و لكن ربما عدم معرفتهم بأسماء السعوديين و ب “ال با” الشهيرة في إسمي التي تجعلني أقل سعوديةً في نظر البعض، و لكن ربما شكلي في ذلك اليوم و ملابسي دفعتهم لهذا القرار. لم أغضب فعلاً حينها قدر إستغرابي و كل ما همني في لحظتها أن لا تحزن حبيبتي جوري لأنها كانت في توق لمشاهدة فيلم (الحسناء و الوحش) في نسخته ثلاثية الأبعاد في سينما السيتي سنتر.

بعد شئ من تفكير فيما حصل لم أستنكر ما حصل كثيراً لأنها ليست تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بشئ من التمييز ضدي، فحينما أجد تمييز ضدي من أبناء بلدي أو من أنظمة دولتي لماذا أستغرب أن أجد هذا التمييز ضدي من قبل أخرين!. هذه المره قد يكون التمييز تم ضدي لسبب ليس لي علاقة به فعلاً، لكن هل هناك شئ من التمييز يتم بسبب صحيح أو هل كل أشكال التمييز هى خاطئة و يجب مواجهتها؟. كم واحد منا يمارس التمييز ضد الأخرين بصورة تبدو طبيعية و كأنه مجبول عليها. نستنكر كثيراً على الغرب ما يمارسه أحياناً من إلصاق تهم الإرهاب بالمسلمين بسبب قيام مجموعة صغيرة منهم بأعمال إرهابية. و نستنكر على الغرب أيضاً تاريخه و حاضره الملئ بالإساءة لأصحاب البشرة السوداء، على الرغم من أن بعضنا لازال يمارس مثل هذا الإساءة بصورة أو أخرى تجاه هؤلاء و غيرهم من المختلفين عنهم. فيسمي بعضهم بطرش بحر أو حج و لم يعد أو يقول إن هؤلاء بدو أو هؤلاء شيعة و مؤخراً ظهرت مصطلح الملحدين و الإلحاد كطريق قد يتسرب فيه التمييز لتفاصيل حياتنا دون وعي واضح به و بأثاره حاضراً و مستقبلاً.

يعاني البعض من مثل هذه الممارسات بصورة يومية، فأن تكون شيعي بغض النظر عن تفكيرك و عمرك و منطقك يجعل منك متهم بالموالاة للخارج و محاولة الإساءة للوطن الذي لا تعرف سواه وطناً. و في كل مناسبة يجب عليك إثبات أنك سعودي حقيقي مثل الأخرين و لست سعودي فقط بالإسم و بمكان الميلاد. و إن كنت أسود البشرة فستجد فئات تستحضر مباشرةً في ذهنها بيت المتنبي الشهير “لا تشتر العبد إلا و العصا معه…” و كأن كلام المتنبي وحي إلهي لا يمكن إلا القبول به و الإسترشاد به مع إن الجميع يعلم أنه بيت شعر قيل في هجاء فرد فكيف يعمم على ملايين من البشر. ستستمر هذه الحالة و لن تتوقف عند أبناء طائفة أو منطقة ما، و قد تخرج لنا الأيام بإساءات لأبناء مناطق أو معتقدات دينية أو حتى أصحاب مناهج فكرية معينة لأننا حتى اليوم لازلنا لا نتفق على مفهوم المواطنة و مركزيته في بنية الدولة الحديثة التي لم نصل لها بتشكيلاتها السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية.

من المعيب حقاً أن نشهد ممارسات تمييز ضد أحد من أبناء الوطن و أن لا نملك قوانين وطنية تقف بوضوح أمام أي تمييز بغض النظر عمن يمارسه بحيث يؤسس للمواطنة و دولة القانون كجزء من حاجاتنا للحراك نحو المستقبل. وحتى ذلك الحين فلا شك لدي أن دور الفرد و مواجهته لمثل تلك المواقف و الأفكار هو الأهم من أجل نشر ثقافة رفض التمييز.

Advertisements

Responses

  1. بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فإن الديكتاتورية إحد نتائجها التمييز…
    أحد الأصحاب قبل أسبوعين أو ثلاثة قرر الذهاب للبحرين، ما إن رأى أنه من الأحساء حتى منعوه من الدخول… هذا الصاحب، يعرف شخصاً من الخبر، مرّ في نفس ذلك اليوم من دون مشاكل. كلاهما شيعي، لكن الثاني لم يستصدر أوراقه من الأحساء أو القطيف. هذا الشيعي ذهب وعاد، ولم يقم بأي شيء يخشاه رجال الأمن.

    نسأل الله التوفيق في الـــخـــيــــر لكل شيء في العالم من حبة الرمل إلى كل الدول.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: