Posted by: أحمد باعبود | مايو 11, 2012

نظرة سريعة على الساحة

السعودية بلد تشعر عند متابعة وسائل الإعلام الإجتماعي أنه يعيش حالة تقارب الغليان و عندما تتابع وسائل إعلامه التقليدية تشعر أنه يسير على الطريق السليم لولا عجز بعض المسؤولين عن تنفيذ رغبات و إرادة كبار المسؤولين. لكن على أرض الواقع و عند عامة الناس أعتقد أن السعودية بلد لازال يعيش كما كان و سيستمر كما هو إلى حين. هذه الحالة التي تبدو متناقضة تشير إلى تناقض بين رغبات القلة الناشطه في وسائل الإعلام الإجتماعي و بين ما يريد أن يؤكده أصحاب السلطة الحقيقيون و بين ما يعيشه المواطن العادي من هموم تمس شؤونه المعيشية و الإقتصادية و الإجتماعية. في غياب أي وسيلة لرصد الرأي العام بصورة شاملة و في غياب أي وسيلة لمعرفة حقيقة مستوى الأداء الحكومي و في غياب وجود قوة فاعلة أخرى على أرض الواقع يبدو أن الأمور ستظل كما هى إلى حين.

ينقسم السعوديون في وسائل الإعلام الإجتماي تجاه قضايا كثيرة و لكن المهم هنا أن نعرف أي القضايا هى تلك التي يتحدث عنها هؤلاء و أي القضايا هى تلك التي تشد إنتباه العامة من الناس. فمن غير المجدي أن ينحصر الحديث عن دولة الحقوق و المساواة لدى فئة بسيطة تشعر أن هذه هى قضية القضايا، بينما العموم من الناس يمكن حشد مشاعرهم و أفكارهم بقوة عن الحديث عن مؤامرات خارجية على الوطن أو عند الحديث عن تأمر فئة من المواطنين مع عدو خارجي. في نفس الوقت يبدو لي أنه من الواضح أن هناك عجز متصاعد لدى وسائل الإعلام التقليدية الحكومية الهوى عن كسب الكثير من التأييد لدى عامة الناس. فعلى الرغم من أن الوضع لم يصل إلى صورة خطيرة بتصاعد نغمة النقد نحو أعلى المسؤولين و إستمرار حصر هذا النقد على سوء الأداء الحكومي في المسؤولين المباشرين و قد يصل في أسواء الأحوال إلى ما يسمى بالبطانة، إلا أن إستمرار الأوضاع ستؤدي يوماً ما إلى أن يتساءل الناس “و من يعين هؤلاء المسؤولين و يسمح لهم بالإستمرار في مناصبهم لسنوات طويلة؟” و “من يعين البطانة و يغيرها كيفما شاء؟”.

المعركة اليوم في السعودية ليست حقيقةً بين التيار الإسلامي بمختلف أطيافه و ما يسمى بالتيار الليبرالي، بل بين حاجات الناس اليومية و مستوى أداء حكومي متردي بصورة متصاعده و بين أرقام فلكية يسمع بها المواطنون لإنشاء مشاريع بنية تحتية و قضايا فساد مالي يتورط فيها المتنفذون في أمور تهم الشأن الحياتي اليومي سواءً في السكن أو وسائل النقل أو التعليم و شؤون التجارة و أضرابها أو تبرعات لدول أخرى في ظل مصاعب يواجهها ذات المواطن في حياته اليومية. من العجيب هنا أن يركز أصحاب التيارات المختلفة على عراك الديكة القديم المتجدد في قضايا لا تمس حياة الناس بصورة يومية حتى و إن شدت الإنتباه و لمست هذه القضايا في صورة أنيه مشاعر عموم الناس مثلما حصل في قضية الإساءة للرسول محمد صلى الله عليه و سلم و في قضية المحامي المصري أحمد الجيزاوي. فكل هذه قضايا تبدأ و تنتهي بصورة لا تستمر سوا بضعة أسابيع بينما قضايا الحياة اليومية من غلاء في الأسعار أو عدم القدرة على شراء سكن مناسب أو البطالة هى أمور تمس حياة الناس بصورة مستمرة و من الواضح أنها ستحمل من جيل لأخر.

بالتأكيد إن حل قضايا معقدة مثل البطالة أو السكن أمر صعب و لا يمكن لتيار أو جهه واحدة أن تسهم في حل نهائي له، و مع غياب أي بنية لهياكل سياسية أو حتى مجتمع مدني يصبح من شبه المستحيل لوم أي تيار على عدم قدرة على تبني حلول متكاملة لقضايا مثل هذه. لكن الغريب في رأيي هو مقدار الإستغراق في قضايا محددة و تحويلها دائماً إلى معارك كسر عظم لدرجة تجعل من الصعب الإتفاق بين هذه الأراء المختلفة على وضع المشاكل طويلة الأمد نصب أعينها.

في نفس الوقت تستغرق الساحة المحلية قضايا مثل التغريب و الحرية و حقوق الإنسان، و هى بالتأكيد ليست قضايا جانبية أو مؤقتة بل هى أمور من الجميل أن يستمر الحوار حولها و أن يعيش الناس (أو بعضهم على الأقل) مثل هذه الأجواء التي تسمح بالنقاش و تبادل الأفكار. لكن الوضع الحالي هو عبارة عن مباريات شد و جذب و هجوم و هجوم مضاد دون عمق يسمح لمتبني هذه الأفكار من تحليل ما يرد من غيرهم و من تبني أو على الأقل الإفادة من أراء التيارات الأخرى. ففي عالم الإعلام الجماهيري و الردود السريعة المتبادله لا يمكن أن تجد عمق كاف لكي تقتنع برأي ما، و الأسهل دائماً أن تركز على وجهة نظرك و أن تدافع عنها و أن تحاول إيجاد مكامن الضعف في أراء الطرف الأخر.

ما لم يملك الأفراد و التيارات القدرة على التفاعل المناسب مع الهموم اليومية و القضايا الفكرية المختلفة و وضع الجهد و الوقت المناسبان للموازنة بين مختلف الأمور، فسوف تستمر حالة الإنفضام هذه عند الحديث عن القضايا الكبرى و ستظل التيارات في حروبها الصبيانية مع بعض العمل و التركيز على القضايا الأكثر أهمية. و في وسط كل هذا ستستمر أحوال الناس العاديين و همومهم و نستمر في بعدنا عن الوصول إلى أي صيغة لمستقبل الوطن في وقت تعجز فيه الحكومة عن وضع إستراتيجات وطنية فاعلة على أكثر من صعيد.

بعد كل هذا سيكون من المجدى فعلاً أن أتسائل متى و من سيأتي بالتغيير؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: