Posted by: أحمد باعبود | سبتمبر 24, 2012

في مسيرة … التنمية (2 – 2)

تغنى البعض مؤخراً سعودياً و خليجياً بالتنمية و أولويتها على كل شئ في ظل محيط عربي يموج بالتغيير و الإنقلاب التام على الواقع المر. إن كانت التنمية تعني لهم تنمية العمران و البنيان فقد أتفق معهم مع إن الواقع يقول أن بالأمكان أفضل بكثير مما كان، و إن كانت التنمية تعني الإنسان أولاً فوقائع مسيرة التنمية التي عشتها يوم السبت الماضي عبر كورنيش الدمام و عاشها كثيرون عبر شوارع السعودية في الأيام القليلة الماضية فإننا لم ننجح و طريقنا طويل للوصول إلى مستويات مقبولة من التنمية.

الحديث بالتفصيل عما حصل في هذا الوطن خلال السنوات الإثنان و الثمانون الماضية و المانع للوصول إلى مستويات مقبولة من التنمية البشرية الحقيقية و ليس فقط الإعتماد على الأرقام و المقاييس الإحصائية المهمة لا يمكن إستيعابه في تدوينة و لا أملك شخصياً المعرفة و العلم على أن أفصل فيه، لكنني أود هنا أن أتحدث من وجهة نظر شخصية عن أسباب ما يجري خلال اليوم الوطني من قبل بعض فئات من الشباب.

في البداية أعتقد شخصياً أن الحياة في السعودية ليست حياة طبيعية في بعض أوجهها و خصوصاً لفئات الشباب و النساء. و بما أن الحديث عن مشاكل الشباب في اليوم الوطني فسأتحدث عن بعض أسباب معاناة الشباب و التي ينتج عنها تصرفات غير عقلانية و يصعب تفسيرها. بالتأكيد إن للبطالة و الفراغ دور كبير في أن يقدم شاب ما على تصرفات غير مفهومة، و خصوصاً حينما يكون متأكد من أنه لن يتعرض لمسألة و ربما الأسواء حينما يدرك أن الأمور في جوانب كثيرة في بلده تحصل دون مسألة و بالتالي يعتقد أن هذا هو الشئ الطبيعي حتى و إن لم يقل له أحد ذلك إلا أن لسان الحال أشد وضوحاً من لسان المقال.

حينما كنت في كورنيش الدمام مساء الخميس فكرت فعلاً في الحاجه لزيادة أسعار البترول، ففي بلد لا يكلف فيه بنزين السيارة الكثير من الطبيعي أن تجد الشباب يقودون سياراتهم طولاً و عرضاً دون أدني تفكير في تكلفة مثل هذه المشاوير من إضاعة الوقت. الحال يزداد سواءُ حينما لا يملك هذا الشاب شيئاً حقيقياً ليقوم به و هو يشعر أن وجوده غير ملاحظ و أن كل شئ يحصل حوله تقريباً لا يستوعبه و لا يعتبره. يخلق الشاب و الأهم مجموعات الشباب لأنفسهم دور حتى و إن كان هذا الدور سلبي، فهو دور أكثر إيجابية من اللادور و اللاوجود الذي يشعر به البعض منهم.

من طبيعة الشباب التمرد و شخصياً أعتقد أن ردات الفعل المستنكره و المندده بما يقوم به الشباب خلال مناسبة اليوم الوطني تجعل ردة الفعل مزيد من الإصرار على فعل المُستنكر و تحدي سلطة المجتمع التي تصادر على هذا الشاب أي دور و تجعله مجرد جزء من مجموع و ليس فرد له حقوقه و رؤاه و رغباته و طموحه و جموحه. حينما أفكر الأن في جموع الشباب الذين شهدت مسيرتهم عبر الكورنيش، أستطيع أن أزعم أنني لم أشاهد واحداً منهم يقوم بشئ مخل بالأدب أو الأعراف و إن كان رأيي الشخصي أنهم كانوا يمارسون أشياء لا أفهمها مثل الجلوس على سطح السيارات أو الصراخ بأصوات عالية بين الفينة و الأخرى. ما لم أنظر كشخص و ننظر كمجتمع لهؤلاء الشباب من خلال أعينهم و نظرتهم للأمور، فإن المسافة التي تفرق بين توقعات الطرفين و رغباتهم ستزداد و لن تختفي.

لا شك لدي بأن دور المنزل و بعد ذلك المدرسة في تشكيل المجتمع دور هام جداً، و ما حصل هذا العام و في سنوات ماضية خلال إجازة اليوم الوطني دليل على تقصير كبير من قبل الطرفين، و إيجاد حل لهذه الإشكالية لا يمكن أن يتم فعلاً دون نظرة متكاملة لكل الأطراف ذات العلاقة و ليس فقط تلك المتعلقه بهذين العنصرين. و على الرغم من أن دور الحكومة مهم في تحسين مستوى العملية التعليمية و خصوصاً مستوى المعلمين، إلا أن لا أحد يملك أي سلطة مباشرة على الوالدين بأن يقوموا بواجباتهم تجاه أبنائهم و تربيتهم بالصورة المناسبة، و هو دور يسبق كل دور و عمل لا يمكن لأي طرف كان بأن يقوم به حتى و إن حاول. لذا أجد أنه من غير العدالة و من غير المنطق أن يصب جام غضب المجتمع نفسه على هؤلاء الشباب و تصرفاتهم بدل أن يعترف الجميع بمسؤوليتهم تجاه ما يحصل و أن الشباب هم جزء من المشكلة و ليسوا كل المشكلة.

مثل هذه الإشكاليات الإجتماعية تُظهر من جديد مدى الحاجة الكبيرة لقيام دراسات إجتماعية حقيقية و تطبيقية تبحث عن جذور مشاكلنا الإجتماعية المتعدده و المتشابكه و المعقده و تربطها بالواقع الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي للمجتمع و تكون هذه الدراسات جزء من عملية تخطيط و تطوير للمجتمع و للدولة بعيداً عن محاولات البعض لإدعاء طهرانية المجتمع و أن هذه حالات شاذة أو أن توضع حلول سهلة لا تحل أساس المشكلة و لكن تمنعها من الظهور مثل إيقاف الإحتفال باليوم الوطني.

إن كل تنمية لا تعترف بقيمة الإنسان و فردانيته و مسؤوليته هى تنمية قاصرة و ناقصة لا يمكن لها إلا أن تكشف عن عيوب جذرية و أساسية نعيش اليوم شيئاً من إفرازاتها و ما لم يتم العمل على خلق تنمية حقيقية تضع الإنسان في قلب كل عمل تنموي فإن هذه الإشكالات ستتصاعد و تتعقد و تضرب المجتمع بصورة أكثر ضرراً مما نشهد اليوم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: